مجد الدين ابن الأثير

131

المختار من مناقب الأخيار

وقال من خطبة : أما بعد ، فإنّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ، وإنّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع ، وإنّ اليوم المضمار وغدا السّباق ، والسّبقة الجنة « 1 » ، والغاية النار ؛ أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته ، ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ، ألا وإنكم في أيام أمل ، من ورائه أجل ، فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله ، ولم يضرّه « 2 » أجله ، ومن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله ، وضرّه أجله . ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة ، ألا فإني لم أر كالجنّة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربها ، ألا وإنه من لا ينفعه الحق ولا يضرّه « 2 » الباطل ، ومن لا يستقيم « 3 » به الهدى يجذبه الضلال ، ألا وإنكم قد أمرتم بالظّعن ودللتم على الزّاد ، وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى ، وطول الأمل . وقال من خطبة : رحم اللّه عبدا سمع حكما فوعى ، ودعي إلى رشاد فدنا ، وأخذ بحجزة هاد فنجا ، وراقب ربّه ، وخاف ذنبه ؛ قدّم خالصا ، وعمل صالحا ، اكتسب مدخورا ، واجتنب محذورا ، رمى غرضا وأحرز عوضا ، كابر هواه ، وكذب مناه ، جعل الصبر مطيّة نجاته ، والتقوى عدّة وفاته ، ركب الطريقة الغرّاء ، ولزم المحجّة البيضاء ، اغتنم المهل « 4 » ، وبادر الأجل ، وتزوّد من العمل . وقال من دعاء له : اللهم اغفر لي ما أنت أعلم به مني ، فإن عدت فعد عليّ بالمغفرة ، اللهم اغفر لي ما رأيت من نفسي ، ولم تجد له وفاء عندي ، اللهم اغفر لي ما تقرّبت به إليك ثم خالفه قلبي ، اللهم اغفر لي رمزات الألحاظ وسقطات الألفاظ ، وشهوات الجنان وهفوات اللسان .

--> ( 1 ) السّبقة : الخطر الذي يوضع بين أهل السباق في الخيل ، فمن سبق أخذه . التاج ( سبق ) . ( 2 ) في ( ل ) : « يضرره » بفك الإدغام . ( 3 ) في ( ل ) : « لا يستقم » . ( 4 ) المهل : التؤدة والتباطؤ ؛ وفلان ذو مهل : أي ذو تقدّم في الخير . النهاية ( مهل ) .